ابن قيم الجوزية

53

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت المفاتيح له واللّه من وراء توفيقه وعدله له الملك وله الحمد وله النعمة والفضل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . الباب الخامس عشر في توقيع الجنة ومنشورها الذي يوقع به لأصحابها عند الموت وعند دخولها قال تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ فأخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم تحقيقا لكونه مكتوبا كتابة حقيقة وخص تعالى كتاب الأبرار بأنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين وسادات المؤمنين ، ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به ، وإشهارا له وإظهارا بين خواص خلقه كما يكتب الملوك تواقيع من تعظمه بين الأمراء وخواص أهل المملكة تنويها باسم المكتوب له وإشادة بذكره . وهذا نوع من صلاة اللّه سبحانه وتعالى وملائكته على عبده ، وروى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان وأبو عوانة الأسفرايني في صحيحهما من حديث المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على القبر وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وهو يلحد له ، فقال أعوذ باللّه من عذاب القبر ثلاث مرات ثم قال إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا تنزلت إليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس مع كل واحد منهم حنوط وكفن فجلسوا منه مد بصره ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من اللّه ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، قال فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم